السيد محمدحسين الطباطبائي

249

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

وقوله عليه السلام : « قال لهم في الذرّ » ، يدلّ على أنّ هذا الميثاق مأخوذ في الذرّ قبل هذه النشأة الدنيويّة ، ويدلّ على ذلك شمول الخطاب وكون الميثاق شاملا للأنبياء وأممهم جميعا ؛ إذ لم يتّفق ذلك في النشأة الدنيا ، فموطنه نشأة قبل هذه النشأة ، والحمل على لسان الحال معلوم الحال ، وسيجيء تفصيل القول فيه . قوله سبحانه : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً إذ كان ذات كلّ شيء وصفاته وآثاره الوجوديّة فائضة من عند اللّه سبحانه لا يملك لنفسه شيئا البتّة ، كان من المحال أن يتحقّق عصيان بالنسبة إلى فيض يفيض من عنده بعدم القبول وهذا هو الإسلام الذي يشير إليه بقوله : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلّا أنّ تخصيصه بأولى العقل كما يدلّ عليه لفظة « من » . ثمّ التذييل بقوله : طَوْعاً وَكَرْهاً يفيد أنّ لهذا الصنف من الموجودات جهة أخرى بها يتحقّق كرهها لهذا الإسلام الذاتي ، وبالمقابلة طوعها كذلك ، فهناك طوع وإسلام شامل عامّ ، ثمّ بعده طوع وكره من حيث استقلال ذواتها المفاضة لها من عند اللّه سبحانه ، فكلّ شيء مسلم للّه تعالى لا محالة ، ومن في السماوات والأرض مدرك لهذا الإسلام كلّ من نفسه ، غير أنّها بين مسلم غير كاره في إسلامه وبين مسلم كاره فيه ، فمساق هذه الآية مساق قوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ، « 1 » فلفظ الكره مع الإسلام ذاتا يعطي أن يكون توحيدهم للّه - عزّ شأنه - معلوما مدركا لهم غير مفارق لهم ، كما

--> ( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 15 .